مسكت طفليها بيديها، انها الامومة، تتجلى في تلك المرأة التي يلفها الحزن وتبدو عليها ملامح الحسرة وتنتابها قسمات الندم، رأيتها ذاهبة الى المسجد قلت في نفسي بالتأكيد انها من اللاتي في عوز شديد للمال، يقصدن المسجد، يعلمن ان الخير موجود وباق الى يوم الدين ولن يقصر اهل الخير بهن، دخلت المسجد وانا افكر بها فقد كان الطفلان يلبسان لباسا جديدا نظيفا لا يدل على ما ظننته، حتى شرع الامام بالخطبة واستمعت له وعذرا خطباءنا فغالبا خطبكم بالاسلوب نفسه والطريقة ذاتها لا شيء جديد ونكن لكم فائق الاحترام، وما ان انتهت الصلاة وخرجت ورأيتها امامي ولكن اين الطفلان؟ أعلم جيدا ان الانفس ضيقة والمشاكل كثيرة والهمم بليدة؛ تغير الانسان مع تغير الزمان حتى صارت التفاهة فنا والعقلانية سذاجة، انتشر الطلاق بطريقة مشينة.
ما رأيته بأم عيني مؤلم وممتع وغريب في الآن ذاته، ظللت واقفا امام المسجد لاعرف ما قصة تلك السيدة وما بال الطفلين اين ذهبا.
خرج رجل من المسجد وهو يمسك بهذين الطفلين، فتسمرت مكاني، بادرت الرجل بالسؤال ما بالهما؟؟ فقد قص علي ما لم اكن اتوقعه..
انها امرأة سورية الجنسية طبيبة ماهرة بالجراحة تزوجت من رجل كويتي منذ اربع سنوات، ولكنه لا يخشى الله رزقهما الله بهذين الطفلين وبدأت الثورة السورية وكان يحقر الثوار ويمدح بشار فكانت تمتعض منه؛ لان اهلها منهم ونشبت المشاكل وهو اساسا مقصر جدا بالسابق، وبدأت تفقد بين فترة واخرى فردا فردا من اسرتها ارادوا الشهادة وحصلوا عليها فالحرية تشترى بالارواح ظلت تكتم غيظها بممات اسرتها وشماتة زوجها بقوله هؤلاء «يستحقون الممات» ملحقا بهذا الكلام ضحكة حقيرة ولم تتحمل فحاولت التفاهم معه، وكان رده عليها بالضرب فهو بالاصل دائم السكر، وبخيل ولم تعد تتحمله ولكنها كانت تصبر من اجل الابناء، وبعد الضرب قررت الانفصال وفعلا حدث ذلك بعد اجراءات طويلة بالمحاكم وما ان طلقت حتى سمعت بأن بلدتها في سورية قد دكت ومات جميع اهلها فانقطعت من شجرة وقررت بعد الطلاق ان تستأجر فلا ترى الحياة إلا من خلال هذين الطفلين، واجتهدت في تربيتهما، ووفرت لهما ما تستطيع من مسكن محترم وملبس ممتاز ومأكل طيب ومن الامور الرائعة انها في كل جمعة تأتي قبل الصلاة فتقف امام المسجد وتنتظر تحت اشعة الشمس الملتهبة اي شخص تعطيه الطفلين، وتنتظر حتى يصليا وترجع بهما الى المنزل. فليس عندها رجل يقوم بهذه المهمة، فعلا هناك ملائكة بهيئة بشر وهناك شياطين ايضا بهيئة بشر .
تم نشر المقال في جريدة الانباء
السبت ٧ / سبتمبر / ٢٠١٣
ونشرت ايضا في جريدة الوطن
الجمعه ١٤ / يونيو / ٢٠١٣
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق