الأحد، 29 سبتمبر 2013

أهل سكاكا ماينلامون

االمسافرون للدراسة يملكون أرصدة مليئة بالتجارب تجعل الغالبية منهم بعد التخرج شخصيات على قدر المسؤولية والاعتماد، ففي نهاية شهر فبراير عام 2008 سافرت مع أحد الأصدقاء للأردن عن طريق البر مبتغانا اللحاق قبل بدء الدراسة لتعديل بعض المواد وما أن سلكنا طريق السالمي حتى رأينا لوحة حزينة ألوانها الأسود والرمادي والبني.. شكرا هيئة البيئة.. شكرا هيئة الزراعة.
٭ وصلنا النقطة الحدودية (المركز الكويتي) وكالعادة «السيستم عاطل» مما يجعلنا مضطرين للمكوث داخل السيارة فلا توجد استراحة تعكس منظر الدولة والاهتمام بمرافقها.. شكرا وزارة الداخلية
٭ فرجت المشكلة بعد قرابة ساعة ونصف الساعة ونحن مللنا الانتظار ولكن لاحول ولا قوة إلا بالله، تم ختم جوازاتنا بختم الخروج وخرجنا كذلك من المركز السعودي وبعد التزود في اول محطة من الوقود والزاد وإتمام الصلاة من جمع وقصر.
* انطلقنا.. الطريق طويل وتجاذبنا أطراف الحديث والطلاب غالبا ما يتحدثون عن المواد الدراسية والدكاترة الذين يقدمونها وعن المعدل الدراسي وعن الوظائف بعد التخرج، الطامة إننا بعد التخرج اكتشفنا الواقع المرير في التمايز بين الخريجين من حيث دولة التخرج والواسطة، أليس معيار الاعتبار للجامعات على مسطرة واحدة من قبل التعليم العالي؟ فلماذا التمايز؟ والذي يزيد الطين بلة الواسطة التي هضمت حقوق المستحقين وأعطت من لا يستحق.. شكرا وزارة التعليم العالي.. شكرا لجان القبول في جميع الوظائف.
٭ بعد فترة من الوقت أصبحنا على مشارف منطقة تسمى سكاكا قريبة جدا من الحدود السعودية- الأردنية، حصل ما لم نكن نتوقعه محرك السيارة يعمل بشكل غير طبيعي حتى توقفنا وركنا السيارة على كتف الطريق وفتحنا دولاب المحرك من الأمام محاولين حل المشكلة فلم نستطع.
٭ وقف رجل من الأخيار لكي يساعد ولكن العطل يحتاج إلى فني متخصص وطلب لنا شاحنة تأخذ سيارتنا للكراج، ووصلنا واتفقنا مع الفني على التصليح وحدد لنا أن السيارة تنتهي بعد ساعتين على الأقل وليس لدينا خيار وبعد برهة من الوقت قال ذلك الرجل الخير الذي قام بمساعدتنا لنذهب لمنزلي أقدم لكم الضيافة في شرب القهوة حتى تجهز السيارة، ونحن رفضنا بالبداية فلا نريد أن نكلفه اكثر من ذاك ولكنه رفض، ذهبنا.
ولفتة بسيطة عن منطقة الرجل الخير فإن هذه المنطقة تعتبر قرية نائية قديمة منازلها وسكانها منغلقون على بعضهم وحياتهم بسيطة جدا فعامل المادة يؤثر عليهم، ووصلنا لديوانه والتقينا مع بعض الأشخاص المختلفة أعمارهم، وألقينا السلام وجلسنا وذهب الرجل الخير ولا ادري لماذا؟ قدم الموجودون لنا الواجب ونحن التزمنا الصمت فلا نعلم ما نبدي من حديث وإذا بشاب دخل الديوان منظره غريب شعره من الأجناب مقصوص ومن فوق مرتفع تسريحة غريبة، المشكلة أن المحيط الاجتماعي لديهم لا يتقبل مثل هذه الصرعات، ألقى الشاب السلام وجلس، كان في نهاية المجلس رجل آخر يقهقه من الضحك وقال لصاحب الشعر المنفوش يا كويتي «من باب الاستهزاء» وانا لم اكن اعلم المقصد كل الظن بأنه فعلا كويتي وقهقه مرة أخرى وقال وشفيك صاير كويتي -الموجودون لا يعلمون بأننا كويتيون فالرجل الخير عرف بأسمائنا ولم يذكر موطننا.
* نكمل.. وجال في نفسي مبادرة صاحب التسريحة بالسؤال وفعلا قلت انت كويتي؟ قال، لا فإن فلانا الذي يقهقه يقصد بأن كل شخص ينسلخ من المنظر العقلاني والأخلاق الطيبة كويتي، فدرت رأسي له وقلت لماذا؟ وأنا منفعل وكاد الشرر يطير من عيني فعلم أنني كويتي وبعدما شرح لي سبب هذا الاعتقاد جعلني مكبلا بأعذار لا تسمح لي أن أقول له بأنك على خطأ، هذا الرجل بسيط لم يخرج من قريته الصغيرة ويجمع المعلومات من التلفاز ومن الطبيعي كل دولة تعكس واقعها في برامجها التلفازية فهو متابع جيد للمسلسلات، ترسخ في عقله أن الكويتيين هم الذين حياتهم في مسلسلاتهم التي فعلا تقدم عينة ساقطة من العادات والصور غير الأخلاقية للمجتمع الكويتي المحافظ وبعد شرح طال الساعة والذي من خلاله تجلى ضباب الصورة الخاطئة للموجودين، حيث قلت: لهم غالبية الممثلين غير كويتيين، وأفكار المسلسلات لو كانت حقيقية فهي 5% من واقع الكويت والباقي جميعه عادات وتقاليد محافظة ودين يضرب به المثل، حتى وصل الرجل الخيّر ومعه العشاء فهو قام بالواجب وأكثر، وانتهى النقاش بعد التوضيح وتفهم الجميع الصورة الحقيقية.. شكرا وزارة الإعلام. 




تم نشر المقال في جريدة الأنباء 

السبت  ١٤ / سبتمبر / ٢٠١٣

http://www.alanba.com.kw/kottab/ali-alsabry/408769/14-09-2013

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

جنرال أميركي في الديوان


في أحد فصول الشتاء قبل أكثر من 10 سنوات وقبل الحرب الأخيرة على العراق لإسقاط النظام الصدامي حصل من الغرابة موقف اصطحب بين ثنايا وقائعه حكمة، أتى جنرال أميركي للكويت في مهمة عسكرية، عمره 70 سنة.
يمتاز الغربيون بجدية العمل، ولا يحصلون على المناصب جراء وسطاء وشهادات مزورة، من يستحق يحصل على الترقية، ومن لا يستحق مصيره إلى الهاوية، لذا من الطبيعي أن يتقدموا ونحن نتخلف.
عند وصول الجنرال للكويت استأجر شقة في منطقة تمتاز بتوطد العلاقات الاجتماعية وكثرة الدواوين فيها، حيث كان يذهب للعمل قبل شروق الشمس ويعود بعد المغيب، دون كلل أو ملل. لفت انتباهه في نهاية الشارع منزل أمامه كراسي خشبية طويلة. دائما عند خروجه للعمل وعودته يجد أكثر من 10 أشخاص جالسين عليها من كبار السن مقاربين لعمره.
تكرر هذا المشهد، والجنرال تصاعدت نسبة الفضول لديه، وهو يقول في نفسه «ليس من المعقول الأشخاص ذاتهم، وفي التوقيت نفسه يجتمعون يوميا، بالتأكيد هنالك غاية من هذا الاجتماع، قد يكون انتقادا لعمل أدبي ضخم، أو مناقشة أزمة اقتصادية، أو تحليل سياسي للأوضاع الراهنة لوضع الحلول، أو إدارة شيء مهم في هذه الدولة».
استمر الحال حتى تسنت الفرصة للجنرال بعد فترة ليست بقصيرة منذ الفضول الاول، فذهب ناحيتهم ولقي ترحيبا طيبا منهم، وضعوا أمامه «قدوع» التمر، وقدموا له القهوة وهم في صمت. لسان حالهم يقول «ترى، ماذا يريد هذا؟» حتى طرح سؤاله عليهم لإشباع فضوله، لم يلق جوابا لعدم إلمامهم باللغة الإنجليزية، فنادوا أحد أبنائهم للترجمة، حتى تبين لهم أن السؤال «ما هو السبب الذي يجعلكم تجتمعون يوميا؟»، أجابوا «للحديث في مواضيع شتى، ليس لعمل شيء معين، كذلك لإضاعة الوقت، لا أكثر ولا أقل.
كانت الإجابة بمنزلة صدمة للجنرال، حيث قال «ليس من المعقول أن تكون لقاءاتكم من غير نتاج ولا ثمرة على الأقل».كرروا ما قالوه سابقا «نعم لقاءاتنا مجرد تضييع للوقت».
اندهش الجنرال، حتى بات على يقين بسبب تخلف هذا البلد، وبطء عجلة التطور رغم وجود المال والنفط الوفير. إذ ان تردي الحال ليس من فراغ، والآن علمت لماذا نحن نتطور وأنتم تتراجعون.
قبل ذهابه قال «إنكم مستمرون يوميا على الروتين نفسه الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ففي هذه الحالة أود أن أقول لكم.. «أنتم تنتظرون موتكم». 


تم نشر المقال في جريدة الأنباء

السبت ٣١ / اغسطس / ٢٠١٣

http://www.alanba.com.kw/kottab/ali-alsabry/405898/31-08-2013